عبد الكريم الخطيب

881

التفسير القرآنى للقرآن

خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » مناسبة هذه الآية لما قبلها أنها تعرض صورة مشرقة للمؤمنين ، الذين يتجلّى عليهم اللّه سبحانه وتعالى برضوانه ، وينزلهم منازل فضله وإحسانه ، وذلك بعد أن عرض في الآية السابقة عليها صورة مضيئة ، انبثقت من بين ظلام البداوة ، وطلعت من مهابّ سمومها وهجيرها . . فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان - هم الإنسانية الكريمة الوضيئة ، يتمثل فيهم كل ما يمكن أن تعطيه الإنسانية من ثمر طيّب مبارك . . فهم من الإنسانية بمنزلة هذه القلّة من أعراب البادية ، الذين خلصوا من كدر البادية ، وسلموا من أدرانها وأوضارها . . والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار . . هم الذين سبقوا إلى الإسلام ، فكانوا الكوكبة الأولى التي تقدمت ركبه الميمون ، وكانوا الكواكب الدّريّة التي بين يد فجره الوليد . . أولئك هم الذين حملوا أعباء الدعوة الإسلامية ، واحتملوا - في صبر ورضا - مواجهة العاصفة التي هبّت عليهم عانية مزمجرة ، تحمل في كيانها جهالة الجاهلية ، وحماقاتها ، وسفاهاتها ، وعتوّها وضلالها . . فكان لهم عند اللّه هذا المكان الكريم ، وتلك المنزلة التي اختصهم بها ، وأفردهم فيها . . فمن أراد أن يلحق بهم ويضاف إليهم ، فسبيله إلى ذلك أن يقفو أثرهم ، ويتبع سبيلهم ، ويحسن كما أحسنوا ، ويبلى كما أبلوا . . فذلك هو الثمن لمن يطلب رضا اللّه ، ويطمع في أن يكون مع أحبابه وأصفيائه . . فيكون بهذا مضافا إليهم مع الذين اتبعوهم بإحسان . وفي قوله تعالى : « بِإِحْسانٍ » هو قيد مؤكّد ، يكشف عن الإحسان الذي يكون من متابعة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ، والتأسّى بهم . .